دون نوافذ// بقلم الأستاذة : حنين الجبور

لا أحب المنازل ذات النَّوافذ الصَّغيرة  .. 
تشُدُّني دوماً النَّوافذ الكبيرة التي يظنُّها الرَّائي أبواباً مُشرِعة تلقي على العابرين السَّلام والحبّ
وربّما لذلك كنتُ دائماً أرسمُها في حِصَصِ الرَّسم بذلك الحجم الكبير شُعوراً منّي أنَّني لا أرسم بيتاً بل أبني بيتاً على تلك الهيئة التي أحبّها بحجر ألواني لوناً لوناً  .. 
كانَ معلّم الرّسم يكرّر ملاحظاته عليّ في كلّ مرّة ويطلب منّي أن أجعلَ حجم النوافذ أصغر من ذلك ليتوافق مع حجم البيت المرسوم  لكنّي في كل مرّة أتعمّد الوقوع في تعنّتي المتجاهل له مُتَذرِّعَةً أحياناً بالنسيان وأحياناً أخرى بعدم المعرفة ليسَ لشيء إنّما كي أستمرّ على ماأحبّه وأراه صحيحاً وإن كانَ ذلك في منظوري أنا وحدي فقط  . 
كانَ ذلك العِناد يُرهق كل مَن حَولي بينما يرضيني أنا ويجعلني في راحة لا تبصِر تذمّر المحيطين بي في أي أمر قد أصطدم به معهم.. 

سقطتُ مرّةً وأنا أركض على درج المنزل الذي لا يروقَني أن أنزِلَهُ درجةً درجة إلّا وأنا أندفع عليه بانطلاق يكاد يشبه الجّنون.. 

دفعت ثمن ذلك بأنْ أصاب َ قدمي تمزُّق عظيم نُقِلت على إثرِه إلى المستشفى القريبة وبعد اجراءات التَّصوير أخبروا والدي أنّه لا يوجد أي كسر،  فقط هناك تمزّق ورضوض قويّة تحتاج إلى بعض الأدوية وستزول خلال فترة قريبة  ،  إنّما أرهقني ذلك الوقت الطويل الذي لم تُجدِ الأدوية معه نفعاً قط بل كانت قدمي تزداد تورُّماً وسوءاًحتى أخبرَنَا أحد الجيران أنه يوجد طبّ عربي 
تقوم به امرأة جدّاً بارِعة لا سيما في حالة الرُّضوض هذه.. 

ذهبت إليها وكعادتي وأنا أقترب من البيت تأمّلته جيداً من الخارج.. 
لم أرَ تلك النّوافذ التي جرَت العادة  أن أوجّه عليها ملاحظاتي كي أراها.. 

كان بيتاً قديماً توجد فيه فقط  كوّة صغيرة يدخل الضوء منها.. 
شعرت بشعور سيئ ثم واصلت مسيري المتعرّج إلى أن طرقت الباب ودخلت،  وبعد التّرحيب الجّميل الذي أعهده بكل البسطاء الطّيبين تامّلت كيف يعيش الفقراء بين جدران لا تعانقها نوافذ كبيرة لكن وعيت جيداً كيف تعانقها أرواح اوسع من جدران تلك البيوت بحد ذاتها  .. 

منذ حينها وأنا ارسم البيوت بنوافذ اصغر قليلاً من تلك التي كنت أرسمها فيما مضى  .. 

ظنَّ معلّم الرّسم أنّني أخيراً أخذت بتوجيهاته وبدأت أدرك الملاحظات الموجَّهَة إليّ  إلى أن جاء يوم لم تحضُر فيه صديقتي بيداء الدَّوام  .. 
اعتدت أن أرسم وهي بجانبي لا يفرّقُنا غياب أبداً،  لقد كانت الحصّة ثقيلة جدّاً انتظرت انتهاءها بفارغ الصبر كي أمضي بعدها   إلى بيت بيداء وأستفسر عن سبب غيابها.. 
جاءت الصّدمة عندما أخبرَتني أنَّ أخيها خالد قد تمّ اعتقاله من قبل جهات مجهولة أثناء خروجه من الجامعة وهو الآن مجهول المصير.. 
أصبحت بذلك كثيرة التأمّل..  اتأمّل خالد  الذي كان طيلة الوقت يحب المرح والخروج مع الآخرين كيفَ الآن تحصره جدران أربعة لا نوافذ لها ولا نور ولا صدىً يأتي من بعيد داحضاً ذلك الموت المؤَجَّل أو موقِظَاً شيئاً من ذلك النُّور المُحَنَّط  .. 

إستشرى بي تأمُّل حال القابعين في السُّجون إلى أن رأيت نفسي أرسم بيوتاً بلا نوافذ 
وعبَثَاً كلّما حاولت أن أجعل لجدرانها ثقوباً عَلِمت أنّه الوهم بحدّ ذاته  .. 

لم أعد أذكر تلك البيوت التي كنت أرسمها سابقاً  ،  باتت شبابيكُها الواسعة غريبةً عنّي وبتّ أنظر إلى كل البيوت المُبَجَّحة بها على أنها كذبة.. 
كل ماأصدّقه الآن أنَّنا لا نمتلك هواءً نتنفسه حتى نمتلك شبابيكاً يدخل منها الهواء،  ولا نمتلك رؤيا مُجردَّة حتّى نمتلك شبابيكاً يدخل النُّور منها.. 

أيضاً أعلم أنّ هناك مَن يرسم مالا يراه كي يراه،  إلّا أنّني عجزت أن أرسم الوهم الذي يتعاطاه الآخرون فَهرِمت  .. 
يجذبني صوتٌ خفيّ يجعلني أركض إلى غرفة ذلك الطّفل الذي مازال بداخلي كي أرتّب فوضى ألعابه المبعثَرة 
أخبّئه جيداً خوفاً من أن تسرقه مني يدٌ أخرى فيكبر هوَ الآخر معي ونذبل سويّاً  .. 

لقد مضى وقتٌ طويل وأنا أرسم البيوت على هذه الشّاكلة من دون نوافذ أنتظِر عودة الغائبين كي أعيد لها نوافذها، وأزيدُ في زاوية السَّماء منها شمساً أعلى من أن يحدّها سقف الدَّفاتر   .  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حديث النسيم // بقلم الأستاذة : امتثال محمد

شيء من دفاتري // بقلم الأستاذ : توفيق العلي

اللهم نصرك لقلبي// بقلم الأستاذ عبد الناصر الحداد