حكاية نخلة // بقلم الأستاذ : جلال حجر
أن ترى نخلة للمرة الأولى في حياتك أمرا ليس بالهين.. خاصة حين تعيش في منطقة جبلية تخلوا من تلك الأشجار السامقة التي وإن لم تنبت في محيطك فقد نمت في مخيلتك من خلال ذكريات الطفولة مع مغامرات سندباد و ميمونة ومسعود.. لازلت أتذكر ذلك المشهد المهيب، وأنا محشور بخانة سيارة –بيجوت- قديمة، على الطريق الواصل من مدينة حرض إلى مدينة الحديدة.. كان الصمت يتقافز من كرسٍ لأخر، والملل ملتصق بزجاج النوافذ والأبواب.. التثاؤب يعشعش في أفواه الركاب، وعيناي الناعستين تبدل النظرات بين أنفي الملتصقة على زجاج النافذة المغلقة وبين حافة الطريق التي ترسم خطا لا يجرحه إلا هزهزات المركبة المنطلقة بسرعة فوق حفر الإسفلت الخجولة.. كانت تعرجات النباتات على حافة الطريق وهي تبدو كما لو أنني أعبر ممرا زمنيا يجعلني أتجاوز سرعة الضوء.. صوت السيارات المارة على الحارة الأخرى من الطريق تجعل الروح تشعر بانسيابية سهم انطلق ليخترق صدر أرنب تثاقلت حركته لثوان قبل أن يلقى حتفه..
وفجأة..! ارتفعت صرخة أفزعت الركاب وكسرت سكنية السائق وركابه:"هاااااااااااااااايووووووواي " نخلة.. نخلة يا نخلة.. لم ينتظر السائق حتى استوعب ما حدث.. فالتفت الى أخي قائلا.. سكت الولد يا أخ.. اخفضت صوتي وهمست لأخي وانا اتراقص فرحا.. والله انيه نخله.. عاد السائق بنظره نحوي من خلال مرآته الأمامية قائلا: قر وبطل هززة يا ابني.. لم اعرف حتى اليوم ما الذي كان يخشاه ذلك السائق على تلك السيارة البالية والصدئة.. زجاج نافذتها يحتاج لأربع أياد ليرفع، اثنتان لدفع الزجاج لفوق واثنتان للف البكرة.. ما الذي يخشاه في سيارة بلا راديوا ولن أبالغ إن قلت أنها بلا شيء سوى المقود والدواسات التي تهالكت وصارت بحجم الملاعق.. كانت التمائم والاحراز والادعية والمسابح أخذة ثلثي مساحة الزجاج الامامي.. لم يسأل السائق نفسه لم تقيء الجميع طيلة الرحلة..! باستثنائي أنا والسائق طبعا.. كل الركاب صاروا منذ الكيلوا العاشر وكأنهم أجداث نخل خاوية.. الداخل فيها مفقود والنازل منها مولود..
تلك السيارة لم تكن لنقل المسافرين بقدر ما كانت جلدا لكل من أجبرته الظروف على ترك بيته وأولادة سعيا وراء الرزق.. وكأن ذلك السائق كان دعوة حية لكل زوجة تركها زوجها وبثت عبراتها على شمس الأصيل..
بعدستي
تعليقات
إرسال تعليق