فن احترام الفكرة //بقلم الأستاذ : بلال محمود

فنُّ احترام الفكرة..
..
تنويه/ هذه المقالة لا تناسب المصابين بفوبيا الخوف من المقالات المرتفعة..
..
بسم الله..
" العقل الواعي هو الذي يحترم الفكرة حتّى و إن لم يؤمن بها "..
الروائي "نجيب محفوظ"..
..
" كم من الأشياء تمّ إنكارها يوماً ما، لتصبح حقائق في اليوم التالي فحسب.."
الروائي "جول فيرن" في قصّته من الأرض إلى القمر..
..
في المجتمعات الأخرى يحترمون الفكرة و يملّكونها.. هناك يعرفون من هو أوّل خروفٍ تنحنح، و نفخ المايك، ثم قال قولته المشهورة " بعاااااااااع "..
اللا روائي "بلال محمود" في مقالته "فنّ احترام الفكرة"..
..
كما قال أيضاً مكملاً حديثه الشيّق المؤلم؛
" و لهذا فكلّ خروفٍ هناك، يحرص و قبل كلّ جملة بعااااااااع يقولها، أن يقول؛ و كما قال الخروف الأول؛ بعاااااااع..
إنها الأمانة العلمية و الأدبية، التي نفتقر إليها نحن العرب..
..
في بلادنا العربية، سيضحك القاضي حتّى يستلقي على قفاه، لو ذهبت لترفع قضيّةً ضدّ شخصٍ تتهمه فيها بسرقة أفكارك، و مقولاتك المشهورة.. سيضحك و يضحك المستشارون و الحاضرون من باب المجاملة، حتّى تتضوّع رائحة الشياط و الكلتشات المحروقة في فضاء القاعة.. سيضحك و يضحكون ثم يبصق في الهواء و يقول " اللهم اجعلها ضحكة خير"..
و بعدها يكرشك في أحسن الأحوال..
و في أسوأها يحيل أوراقك إلى الطبيب النفسي، لفحص منسوب العقل لديك..
و يستقبل بعدها و باهتمامٍ بالغٍ قضيّةً ذات دواعي ماديّةٍ ملموسةٍ..
..
في بلادنا العربية، لولا الخوف من أن يضحك علينا الناس، لما منحونا حتّى حقّ المطالبة بحقوقنا التي لها وزنٌ و كتلةٌ و حجمٌ و تشغل حيّزاً من الفراغ، و تحقّق القانون القائل بأن الوزن هو قوّة جذب الأرض للجسم.. لذا فمن الهرطقة، و من المضحك، أن يأتي من يطالب بحقّ ملكية ما ليس له وجودٌ محسوسٌ، كفكرةٍ، أو كلمةٍ..
..
يوماً ما آمنت بأن أفكار الإنسان هي وحيٌّ من عقله.. فلو احترمها و اتخذ من كلّ فكرةٍ تأتيه قاعدةً للانطلاق نحو ما دعت إليه الفكرة، فإنه حتماً سيصل إلى شيءٍ..
لذا لا ينبغي علينا أن نحتقر أفكار الآخرين مهما بدت لنا سخيفةً في حينها.. فذات يومٍ كانت فكرة الطائرة سخيفةً في نظر الجهلاء.. و ربما ضحكوا من سخافتها حتّى استلقوا على قفاهم الجاهل.. 
..
يُحكى عندنا أن جدي الخامس أخذته الغفوة يوماً بعد الظهيرة، قليلاً و استيقظ و هو مندهشٌ و يسبّح الله، و عندما سألوه عن سبب ما هو فيه، قال لهم في انبهارٍ ( لن تصدّقوا ما سأقول.. لكن أؤكد لكم أنه سيأتي يومٌ يسافر الناس فيه جوّاً.. ).. كان ذلك قديماً، في تلك الأيام كان السروال الداخلي و حمّالة الصدر نوعاً من الخيال العلمي.. طبعاً كلّ من سمعه في ذلك اليوم قد اعتبر كلامه نوعاً من خرف الشيخوخة، و ربّما الجنون.. و لولا أنه كان ذا مكانةٍ لسلقوه بألسنةٍ ساخرةٍ حدادٍ لما تبقّى من حياته.. كان جدّي من الآباء المؤسسين لأرومتنا الموجودة بشكلها الحالي اليوم، لذا فقد أخذت مقولته هذه طريقها إلى تاريخ أرومتنا إلى جوار أشياءٍ أخرى كثيرة، و نُقلت من جيلٍ إلى جيلٍ إلى جيل.. في البداية كانت تُسرد كدليلٍ على الجنون الذي كان يعتري الحاج سعد أحياناً.. و بعد أن جاءت الطائرات و أصبح الناس يسافرون جوّاً، أصبح إسمها النبوءة التي جاءت الحاج سعد يوماً..
..
لطالما تساءلت عن السبب في عدم وجود أي نوعٍ من الألفة بيننا و بين الإبداع و الإبتكار.. و تفرّد أممٍ أخرى بهذه الميزة.. و كثيراً ما كنت أعزو السبب إلى اختلافٍ في بنية العقول المادية بيننا و بينهم، و أن الأمر ناتجٌ عن قصورٍ في أداء عقولنا بسبب نقصٍ في حجمها أو ما شابه.. لكن العلم القادم ممن كنت أظن عقولهم أكبر قال لي يوماً أنني مخطئٌ و أن بنية عقل الإنسان واحدةٌ في كلّ زمانٍ و كلِّ مكان.. و أن المخ هو نفسه في إنسان الأمازون البدائي، و في أكثر الرجال تحضّراً.. هذا جعلني أبحث عن سببٍ آخر.. و بالإستناد إلى ما حدث مع جدّي استطعت أن أكوّن وجهة نظرٍ أخرى..
..
اليوم أنا أجزم أن السبب في تخلّفنا و تقدّم الآخرين ليس الاختلاف في حجم و تكوين المخّ.. ليس العقل.. لكنها ردّة الفعل أمام رسائل العقل.. 
فلو أن جدي قد استجاب لرسالة عقله و انشغل بتنفيذها بعد أن جاءته، لكان هناك اليوم طرازٌ من الطائرات بإسمه، و لكان يحتلّ موقعه في أنصع صفحات التاريخ.. لكن الفكرة لم تشغله سوى لبعض الوقت بعد مجيئها ثم نسيها، بينما انشغل المجتمع في انتظار موته بشغفٍ للتنفيس عن براكين السخرية المكبوتة في الأعماق..
في وقتٍ لاحقٍ و في مكانٍ آخرٍ، أرسل عقل أحدهم رسالةً لصاحبه بذات المحتوى، فباع ملابسه و تبعها و وصل إلى ما يريد..
الفرق هو أن الواحد منا هنا، هو إما شخصٌ لا يحترم أفكاره و لا يؤمن بها، و لا يبذل أيّ مجهودٍ من أجل إثباتها عمليّاً.. أو شخصٌ يسخر بإخلاصٍ من أفكار شخصٍ لا يحترم أفكاره، و لا يؤمن بها..
بينما الواحد منهم هناك حيث تعلمون، هو إمّا شخصٌ يحترم أفكاره، و يؤمن بها، و يسعى جاهداً لإثباتها.. و إمّا شخصٌ يشجّع الشخص الذي يحترم أفكاره، و يؤمن بها..
..
إينشتاين لم يدخل معملاً في حياته، و لم يخترع شيئاً.. لكن نظريته النسبية و غيرها تقف وراء أغلب التطوّرات و الإختراعات في وقتنا الحالي.. لو كان إينشتاين عربيّاً لما قاده نبوغه إلّا لأن يصبح مجنوناً يجوب الشوارع حافياً، و هو يهذي بنظريّاته و يُضحك العقلاء.. و من يدري كم إينشتاين قد مرّ علينا و ذهب بعد جنونٍ طويلٍ، دون أن يجد أذناً صاغيةً.. و كم إينشتاين اليوم هو بين براثن الجنون.. و كم إينشتاين في انتظار الجنون الذي سنقوده إليه إن شاء الله..
.. 
دعونا من الأمس، و لنتحدّث عن اليوم.. يا تُرى ماذا سنقول عن شخصٍ طلب منا أن نجتمع في مكانٍ ما، و عندما اجتمعنا قال لنا:- الكتلةً تشبه شخصاً ثريّاً و بديناً و بخيلاً.. يجب أن تضربه لتجعله يُخرج ما في جيبه.. 
بالتأكيد و بعد أسبوعٍ واحدٍ سيكون هذا الشخص مجنوناً في الشارع إسمه الكتلة.. و الناس بمن فيهم أنا كاتب هذا المقال ينادونه يا كتلة و يضحكون حين يغضب و يريهم سوءته..
..
إينشتاين قال ذلك يوماً في مؤتمرٍ علميٍّ، في أمريكا للتعبير عن الطاقة التي تختزنها الكتلة.. فصفّقوا له ملء أكفّهم، و وضعوا ما قاله في كتابٍ، و أرسلوه إلى من فهم أن بالإمكان دفع كتلة اليورانيوم إلى إطلاق كمّيةٍ هائلةٍ من الطاقة إذا قذفنا نواتها بجزيء النيوترون.. 
كتلة اليورانيوم هنا هي الشخص الثري و البدين و البخيل الذي قصده إينشتاين..
ما قاله إينشتاين قد كان بمثابة الأولويات أو القاعدة النظرية التي بُني على أساسها و لإثباتها عمليّاً مشروع مانهاتن النووي، أوّل مشروعٍ نووي في العالم.. هناك و لفترةٍ من الزمن أخذوا يضربون الشخص البدين الثري، حتّى يجبروه على إخراج ما في جيبه، و كانت النتيجة قنبلة الطفل السمين النوويّة التي أُلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية و تسبّبت في أكبر كارثةٍ إنسانيةٍ عبر التاريخ، حيث لا تزال آثارها تظهر حتّى اليوم.. لكن النتيجة الأهم هي استسلام اليابان، و انتهاء الحرب العالمية الثانية، و إنشاء منظّمة الأمم المتّحدة، و تربّع أمريكا على عرش العالم..
..
إذاً هم أعظم منا و أكثر تطوّراً ليس لأن هناك فرقٌ بين عقولهم و عقولنا.. و لكن لأنهم يوماً ما آمنوا بعقل الإنسان.. و جعلوا من الفكرة شيئاً يُمتَلك و يُباع و يُشترى.. و لا يجوز اختلاسها أو السخرية منها.. و في نفس الوقت وضعوا منهجيّةً للبحث العلمي و شجّعوه و دعموه.. هناك إذا كانت لديك فكرةٌ فما عليك إلّا أن تذهب إلى أيّة جامعةٍ و تطلب استخدام معاملها و سيرحّبون بذلك، بالطبع بعد أن يتأكّدوا من ملائمة الفكرة، و من كونك مؤهّلاً لاستخدام المعامل..
بخلاف بلداننا حيث لا احترامٌ للأفكار، و لا تمليكٌ لها، و لا منهجيّة بحثٍ علميٍّ، و لا حتّى بحثٌ علميٌّ.. و لا معامل إلّا معامل إنتاج السليط البلدي، التي لا تزال تُدار بمجهود بعيرٍ مغمض العينين..
..
هناك إذا تمخّض عقلك عن عبارةٍ رنانةٍ لم يقلها أحدٌ قبلك، فالاحتمالات كبيرةٌ لأن تصبح هذه العبارة سبباً في ثرائك و شهرتك.. حيث سيأخذونها و يسجّلونها بإسمك، و يضعونها في كتابٍ مخصّصٍ للأقوال الخالدة..
..
عندنا إذا تمخّض عقلك عن عبارةٍ مشابهةٍ، فلا تخبر أحداً، لأنها ستصبح ملكيّةً عامةً، لا أحد يدري من قائلها، و ساعتها ستبدو مضحكاً و أنت تحلف أنك أوّل من قالها، و سيعتبرونك مجنوناً لأنك تحاول امتلاك الكلام.. و هل الكلام يُملك؟!..
..
جرّب أن تقضي الليل في حياكة الكثير من الكلام البليغ حول قضيّةٍ عامّةٍ ما تشغل مجتمعك، ثم اجتمع بمجموعةٍ من الناس في اليوم التالي، و اتلُ عليهم ما تيسّر من إبداعاتك و آرائك حول الموضوع.. و في اليوم الذي يليه ستجد أن أغلبهم قد تبنّى ما قلت، و بعضهم لن يرى أيّة بجاحةٍ في أن يأتي إليك و يبدأ في محاولاتٍ مستميتةٍ لإقناعك بآرائك، دون حتّى أن يتبع كلامه بكلمة( كما قلت أنت البارحة) حتّى من باب المجاملة.. حتماً ستشعر بالغيظ.. لكنك ستبتلع غيظك، و تصمت، خوفاً من أن تبدو مضحكاً أو مجنوناً، إذا حاولت أن تستعيد ممتلكاتك الفكريّة الخاصة التي تُسرق أمام عينيك من بعض الرجال المحترمين..
..
اليوم قد تنتاب الكثير منا الكثير من الأفكار العبقريّة.. لكن الكثير من هؤلاء الكثير لا يلبث أن يكتشف في حسرةٍ أن دونالد أو روبن، أو لي بانج، قد سبقه و نفّذها منذ زمنٍ.. أمّا القلّة المتبقية من هؤلاء الكثير و هم أصحاب الأفكار الغير مطروقةٍ، فإنهم يمسكون بذيلها و يتأمّلون فيها قليلاً، ثم يطلقون سراحها و يتركونها تطير نحو أوروبا أو أمريكا، و ينسون الأمر.. و من لا يفعل فإن الواقع يجبره على ذلك- أي النسيان-.. و من يبقى يتحدّى الواقع، و لا يرضخ لضغوطه، فمصيره الجنون حتماً..
..
فكرة..
ـــــــ
أذكر في أحد الأيام طرأت لي فكرةٌ لتطوير الصواريخ و زيادة مدى وصولها.. طبعاً هي فكرةٌ عدوانيةٌ تدميريةٌ لا بناءة.. لكن السبب فيها ليس أنا بل واقع الحرب الذي إمّا نعيش فيه، أو نتأهّب للدخول فيه منذ وعينا على الدنيا.. 
..
هكذا و في إحدى الحروب، كنت أسمع في الأخبار و أقرأ عن الصاروخ قصير المدى الذي انطلق من هنا، و الآخر متوسّط المدى الذي انطلق من هناك.. و كلامٌ عن مدى الصواريخ التي يمتلكها هذا الطرف، و مدى الصواريخ التي يمتلكها ذاك الطرف.. يومها لم أكن أعرف شيئاً عن تقنية الصواريخ، و فكّرت أن بالإمكان زيادة مدى الصاروخ قصير المدى بإضافة حجرة وقودٍ في ذيله أو حجرتين أو أكثر حسب المدى المطلوب الوصول إليه، تنفصل الأولى بعد أن ينفذ الوقود منها، و يبدأ عمل الثانية التي تدفع الصاروخ لمسافةٍ أكبر بعد أن يخفّ وزنه، و هكذا.. 
..
بالطبع قرّرت أن أحتفظ بهذه الفكرة العبقرية لنفسي، كي لا تصبح مضغةً في أفواه العرب الذين لا يعرفون شيئاً اسمه الملكية الفكرية، و تفقد قيمتها، أو يلتقطها غربيٌّ صاحب عقلٍ مستعدٍّ، و ينفّذها.. و أطلع أنا من المولد بلا حمّص كما يقولون.. قلت لنفسي سأحتفظ بها حتّى أصبح رئيساً للجمهورية، أو حتّى جار شخصٍ يعرف رئيس الجمهورية، ثم أقول مالدي، و ابتسمت و أنا أتخيّل كيف سنفاجئ الأعداء ببراعتنا، و كيف سأصبح شهيراً لبعض الوقت، ثم أندم على ما سبّبه اختراعي من دمارٍ و أخصّص أموالي لجوائز علمية لاختراعاتٍ تخدم الإنسانية.. كان كلّ ذلك ممكناً لولا ما حدث بعد ذلك..
..
و هنا يطرح هذا السؤال المهم نفسه: مالذي حدث بعد ذلك؟!..
..
ماحدث بعد ذلك هو أنني اكتشفت- و يا للأسف- من خلال مطالعاتي بعد فترةٍ أن هناك من قد سرق فكرتي قبل حتّى أن أُولد.. حيث أن الدفع باستخدام العديد من حجرات الوقود التي تنفصل بمجرد استنفاذ وقودها، هي التقنية المتبعة في دفع الصواريخ منذ الجيل الأوّل لها.. و هو ما يسمّى بالصاروخ متعدّد المراحل الذي سنتحدّث عنه بشكلٍ موجزٍ في نهاية هذا المقال.. شعرت بالحسرة و السعادة معاً.. الحسرة على ضياع الفرصة في الشهرة و الثراء، و تعزيز مركز البلاد.. و السعادة لأنني اكتشفت أن بإمكاننا أن نفكّر مثلهم.. فقط هم لديهم الإمكانيات و الظروف المناسبة، و نحن لا.. و هم لديهم مكانٌ تذهب إليه لتنفيذ فكرتك و الحصول على عائداتها من المجد و الشهرة و غيرها.. بيما نحن على الواحد منا أن ينتظر حتّى يصبح رئيساً للجمهورية لينفّذ فكرته.. و الشارع يعجّ بأولئك المعاتيه الذين حاولوا تنفيذ أفكارهم قبل أن يصبحوا رؤساء جمهوريّة..
و هناك احتمالٌ كبيرٌ أن منصب رئيس الجمهورية في بلداننا لا يكفي كغطاءٍ للتنفيذ..
الأمر محيّرٌ فعلاً..
..
هذه ليست دعوةً للتوقّف عن التفكير.. فنحن لا نحتاج لهذه النصيحة.. فلو كان الأمر بأيدينا لتوقّفنا عن التفكير في واقعٍ لا تجني فيه من وراء فكرتك سوى السخرية و النبذ و الطعن في سلامة عقلك.. لكن الأمر ليس بأيدينا، فالأفكار تتوالد من تلقاء نفسها و دون تدخّلنا.. لكن ما الفائدة من أفكارٍ ما إن تُولد حتّى تُخنق.. فإمّا أن تخنقها المعرفة بأن هناك من قد استهلكها قبلك بزمنٍ طويلٍ.. و إمّا أن يخنقها المجتمع بالسخرية أو بالاختلاس، و إمّا أن يخنقها عدم وجود الواقع الملائم لاستقبالها.. و الأفضل من كلّ ذلك أن نخنقها نحن بوأدها في براري العقل كفتيات الجاهليّة، ما دامت لن تجلب لنا سوى العار..
لكن و لأن الأمل يبقى قائماً.. و لأن هناك ضوءٌ دائماً في نهاية كلّ نفقٍ مظلمٍ.. فلما لا ندوّن أفكارنا و نحتفظ بها لأنفسنا إلى أن يأتي واقعٌ أفضل.. فإن لم يأتِ في حياتنا فلنتركها لمن بعدنا لعل ذلك الواقع يأتي في حياة أولادنا أو أحفادنا.. أليس ذلك أفضل من وأدها؟!
هذه دعوةٌ صادقةٌ لنا أن نحترم أفكارنا، و أن نؤمن بها.. و أن نفعل ما بوسعنا لإثباتها عمليّاً.. 
..
• الطريقة المثلى لاحترام الأفكار:
نحن ككتّابٍ ربما نعتبر الأكثر حظّاً بامتلاكنا لموهبة الكتابة، لذا كلّ ما علينا هو أن نحترم أفكارنا، مهما بدت لنا متطرّفةً و مجنونةً، و حتّى ساذجة.. ثم لنلتقط القلم و ندوّن هذه الأفكار في أيّ قالبٍ أدبيٍّ نراه مناسباً لاحتواء تلك الأفكار، قصيدةٌ أو قصّةٌ قصيرةٌ أو روايةٌ أو مقالةٌ.. و لنعلم أن العالم لن ينبهر بكتاباتنا إذا كانت ستأتي لتتحدّث عن أشياءٍ تقليديةٍ و مطروقةٍ، و حقائق تم إثباتها و الوصول إليها.. بتدوينك لهذه الأفكار في قالبٍ قصصيٍّ مثلاً، ستنجو من محاولات التشكيك في موازين عقلك، التي ستتعرّض لها لو قمت بعرض أفكارك على المارّة و الجلساء و غيرهم على أنها أفكارٌ ممكنة التنفيذ، كما أنك ستحفظ حقوقك في ملكية هذه الأفكار في حال جاء من أمكنه أن يصنع منها شيئاً.. و أيضاً و هذا هو الأهم ستحافظ على تلك الأفكار من الضياع و سترسلها إلى المستقبل، الذي قد تجد فيه من يمكنه تحويلها من الحالة النظرية إلى الحالة المادية الملموسة، كما حدث و ما زال يحدث مع كثيرٍ من أفكار كُتّاب الخيال العلمي، و ذلك ما سنتحدّث عنه في السطور التالية:
..
• إختراعاتٌ كانت أفكاراً في قصص الخيال العلمي..
ــــــــ
مثّلت الأفكار المجنونة في بعض روايات الخيال العلمي إلهاماً للبعض، و الأساس الذي انطلقوا منه ليصلوا إلى ابتكاراتٍ عظيمةٍ، خدمت و ما زالت تخدم البشرية إلى اليوم.. و هذه بعض الإختراعات التي استلهم أصحابها فكرتها من بعض روايات الخيال العلمي..
..
١) صاروخٌ يعمل بالوقود السائل..
في عام ١٩٨٩م نشر الروائي الإنجليزي الكبير هربرت جورج ويلز، رواية الخيال العلمي الشهيرة " حرب العوالم ".. و فيها أطلق المريخيون الذين يشنّون عملية غزوٍ لكوكب الأرض، كبسولاتٍ نحو الأرض باستخدام مدافع عملاقة..
في ذلك الوقت كانت القذائف و الصواريخ تعمل بالبارود، و يتم إطلاقها من المدافع، لتصل إلى مسافاتٍ قصيرةٍ لا تتعدّى عشرات الأمتار.. 
في ذلك الوقت من بدايات القرن العشرين، أوحت فكرة الكبسولات التي أطلقها المريخيون بفكرة صاروخٍ يعمل بالوقود السائل، للفيزيائي الأمريكي " روبرت جودارد ".. فعكف على تنفيذ الفكرة و نجح في إطلاق الصاروخ في ١٦ مارس ١٩٢٦م، و قد نجح هو و فريق عمله في إطلاق ٣٦ صاروخاً ما بين عامي ١٩٢٦م، و ١٩٤١م محققين ارتفاعاً يصل إلى ٢,٦ كم، و سرعة ٨٨٥ كم/ الساعة..
..
يعتبر جودارد أحد المؤسسين لرحلات الفضاء، باختراعه الصاروخ الذي يعمل بالوقود السائل، و الصاروخ متعدّد المراحل؛ و هو صاروخ يتكوّن من مرحلتين ( جزئين ) أو أكثر، و لكلّ مرحلةٍ وقودها و محرّكاتها، و توضع الأجزاء إلى جوار بعضها أو فوق بعضها، و المرحلة الأولى تكون في الأسفل، و عادةً ما تكون الأكبر، و يتناقص الحجم بالتدريج كلّما اتجهنا إلى رأس الصاروخ، عند انطلاق الصاروخ تبدأ المرحلة الأولى بالعمل و يحترق الوقود حتّى ينفد، ثم تنفصل هذه المرحلة و يخفّ وزن الصاروخ و تبدأ الثانية بالعمل و هكذا، مما يسمح للصواريخ بالوصول إلى أبعد مدى لها.. و الصورة أسفل المقال هي لصاروخ بلاك برانت 12، و هو صاروخ تجارب متعدّد المراحل..
..
رغم إنجازات جودارد التي كانت ثورةً، إلّا أنه لم يحض بالدعم الشعبي في تلك الأيّام، و قد سخرت منه الصحافة يومها لأن أغلب العلماء كانوا يقولون باستحالة عمل الصواريخ في الفراغ، و الفراغ هو الكون الأسود الشاسع الواقع وراء طبقة الأوزون التي تغلّف الأرض، حيث حتّى الصوت لا ينتقل هناك لعدم وجود الهواء.. و ردّاً على سخرية الصحافة يومها، قال جودارد قولته المشهورة " كلّ رؤيةٍ مستقبليةٍ هي مزحةٌ حتّى يأتي من يحقّقها أوّل مرّةٍ، و عند إدراكها تصبح أمراً شائعاً "..
..
٢) الطائرة المروحية..
في عام ١٨٨٦م نشر الكاتب الفرنسي الكبير جول فيرن روايته ذات الخيال العلمي " روبور الفاتح " التي تُعرف أيضاً بإسم " مقصّ الغيوم "، و التي يقوم فيها البطل، باختراع أوّل طائرةٍ أثقل من الهواء، أطلق عليها إسم الباتروس.. تشبه الطائرة المروحية..
في مطلع القرن العشرين، يقرأ صبيٌّ روسيٌّ في الثانية عشرة من عمره اسمه إيجور سيكورسكي الرواية، و يحاول صنع طائرةٍ باستخدام الشريط المطاطي..
و في عام ١٩١٩م في أعقاب الحرب الأهلية الروسية هاجر سيكورسكي إلى أمريكا و أصبح له شركة الطيران الخاصة به.. و بعد كثيرٍ من المحاولات نجح مع طائرةٍ من طراز " VS-300 و هي أوّل طائرةٍ مروحيةٍ حديثةٍ، و الأولى التي يتم إنتاجها بنطاقٍ واسع..
و دائماً ما كان سيكورسكي يقتبس مقولة فيرن " كلّ ما يمكن أن يتخيّله رجلٌ ما، من الممكن أن يصنعه رجلٌ آخر "..
..
٣) الغوّاصة..
افتتن المخترع الأمريكي "سيمون ليك" بفكرة السفر و الإستكشاف تحت سطح الماء، بعد أن قرأ رواية الخيال العلمي الشهيرة " عشرون ألف فرسخٍ تحت سطح البحر " للكاتب الفرنسي الكبير " جول فيرن " عام ١٨٧٠م..
و في عام ١٨٩٧م بنى ليك غوّاصةً، و هي مركبةٌ بطول ٣٦ قدماً و تعمل بمحرّكٍ بقوّة ٣٠ حصان..
..
٤) أجهزة الكمبيوتر اللوحية..
ظهرت هذه الأجهزة أوّلاً في أفلام و مسلسلات الخيال العلمي، مثل " أوديسا الفضاء، ٢٠٠١"، للمخرج ستانلي كوبريك، الذي تم إنتاجه عام ١٩٦٩م، و كذلك في سلسلة الخيال العلمي الشهيرة " ستار تريك "..
..
٥) الثقب السادس في المزمار..
كان المزمار بخمسة ثقوبٍ حتّى قرأ س.خ.. رواية الخيال العلمي " الرقص على سنام البعير " للكاتب شويط بن ضلفاج، فقرّر أن يجرّب و يضيف الثقب السادس للمزمار، فنجح الأمر و صارت الأمور عال العال..( طبعاً هذه من راسي جدّاً)..
..
الآن عزيزي الكاتب العربي، أحضر ورقةً و قلماً، ثم احضر كرسيّاً و اجلس، و ضع ساقاً على ساق، و لا تنسى أن لا تحضر فنجان قهوةٍ لأن القهوة لا شأن لها بالإبداع، و ابدأ بكتابة قصّةٍ تورد فيها أفكارك التي تظن أنها مجنونةٌ و مضحكةٌ و ربما سخيفةٌ..
أسرع قبل أن يسبقك اليهودي إبن اليهودي، هذا إن لم يكن قد سبقك إليها بالفعل في الوقت الذي أنت منهمكٌ فيه في قراءة هذا المقال السخيف..
..
م/ بلال محمود..
..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حديث النسيم // بقلم الأستاذة : امتثال محمد

شيء من دفاتري // بقلم الأستاذ : توفيق العلي

اللهم نصرك لقلبي// بقلم الأستاذ عبد الناصر الحداد