الطريق إلى ليڤربول// بقلم الأستاذ:بلال محمود

الطريق إلى ليڤربول..
..
نحن اليمنيون مبدعون في الأمثال و الحكم، التي تحضّ على كلّ ما هو سيء.. اليوم سأتحدّث عن أحد هذه الأمثال، و هوالمثل القائل " مع الناس مخطي، و لا وحدك مصيب "، و الذي يبدو التحريض فيه على مجاراة المخطئين، و الإنخراط في صفوفهم، واضحاً و مقيتاً.. مما يعكس حجم ثقافتنا الفسادية العالية، و حجم اعتزازنا بالفساد، الذي جعل قريحتنا تتمخّض عن هذا المثل المريع، لنتّخذه دستوراً لنا.. 
..
يوماً بعد يومٍ أدرك البون الشاسع بيننا و بين العالم من حولنا، خصوصاً ذلك العالم الراقي الذي يسمي نفسه العالم الأوّل.. نحن أذكى منهم بمراحل، أي والله.. 
و سأضرب لكم مثلاً على ذكائنا و غبائهم.. لنأخذ عيّنةً منهم الكاتب الإنجليزي الشهير " هربرت جورج ويلز "؛ الذي قضى الكثير من الوقت، و بذل الكثير من الجهد، و شرب الكثير من القهوة، و أراق الكثير من الحبر، و بدّد الكثير من الورق، و أنفق الكثير من المال، و صرخ الكثير من الصرخات طلباً للهدوء، كلّ هذا من أجل أن يكتب قصّته المعروفة " بلد العميان "..
و قبله بزمنٍ نرى نموذجنا الفذّ، الذي هو عبارةٌ عن فلّاحٍ يمنيٍّ أشعث أغبر ذي طمرين، لا يقرأ و لا يكتب، قد لخّص قصّته ذات الأوراق الكثيرة، بعبارةٍ واحدةٍ تقول " مع الناس مخطئ، و لا وحدك مصيب ".. فقط هم يجيدون صنع قبّةٍ من الحبّة و نحن لا.. 
..
بكلماتٍ قليلةٍ تقول قصّة ويلز " بلد العميان "؛ إذا أردت العيش في بلد العميان فعليك أن تكون أعمى.. أن تضع عصابةً على عينيك ذلك لا يكفي، يجب أن تفقأها..
فالبصير في بلد العميان نشاز.. و السوي في بلد الشواذ هو كلوط عليه السلام في قومه، مدعاةٌ للسخرية و الهمز و اللمز.. و قس كلّ شيءٍ على هذا، مثل العاقل في بلد المجانين، و النزيه في بلد الفاسدين.. فمثلاً إن كنت عاقلاً في بلد المجانين، فسيتم الزج بك في مستشفى العاقلين، الذي لا شكّ سيكون هناك واحدٌ منه في بلدٍ يعتبر العقل مرضاً نفسياً..
..
أمّا مثلنا الشهير و الأثير " مع الناس مخطئ، و لا وحدك مصيب "، فيقول؛ إذا أردت أن تعيش في بلد الفساد، فعليك أن تكون فاسداً، و إلا عليك اللعنة..
لهذا فنحن اليمنيون منذ ولادة هذا المثل قد انقسمنا إلى قسمين؛ قسمٌ فاسدٌ و هو الأكبر.. و قسمٌ عليه اللعنة و هو الأصغر.. و ما دامت كلّ الطرق تؤدي إلى الفساد، فلماذا يرضى القابعون في جزيرة الملعونين، بالبقاء هناك؟!
..
من ناحيةٍ أخرى، ربما هذا التشابه الذي يصل حدّ التطابق و التماثل، بين المثل اليمني، و بين فكرة قصّة ويلز، يثبت أن الكاتب الإنجليزي الكبير هربرت جورج ويلز، لم يكن كبيراً.. بل كان لصّ أفكارٍ كبير.. و ربما أن أغلب قصصه التي أذهل بها العالم، إن لم يكن كلها، هي نتاج عمليات سطوٍ كان يقوم بها الرجل على أفكار اليمنيين آنذاك..
..
لا أدري ما هي الطريقة التي كان يتبعها لسطوٍ فكريٍّ ناجح، في زمن ما قبل النت، حين كانت الحكومات و الإقطاعيون الأثرياء يتبادلون الرسائل بالحمام الزاجل، أما البسطاء فيرسلون رسائلهم من مواقف الإبل التي كانت بمثابة المطارات اليوم، مع امرأةٍ تضعها تحت كمّها، و تنطلق ضمن قافلةٍ على بعيرٍ معقّد، و لا تصل إلى وجهتها إلّا و قد صار كلّ ما في الرسائل ماضياً، المرضى قد ماتوا، و الأثرياء قد ضربهم الفقر، و الأموات قد استيقظوا..
لا أدري كيف كان يفعل، لكن و لأننا جميعاً نعلم أن بابنا كان و ما يزال و سيبقى عتيقاً، مهترئاً، و مليئاً بالشروخ و الثقوب، فأغلب الظن أن الرجل كان يختلس النظر، و يسترق السمع عبر هذه الشروخ و الثقوب، و يصغي إلينا بينما نحن نقول أفكارنا الذهبية دون حرصٍ و لا حذر.. و حين يلتقط ما يعجبه، يجري سريعاً إلى لندن، فيكتب قصّةً من الفكرة، و يعود من جديدٍ ليختلس و يسترق و يصغي..
..
بعد اكتشافي هذا، قرّرت أن أضع الكاتب الإنجليزي و جميع كتاباته، تحت المجهر.. و أنا الآن أجري عملية مقارنةٍ، بين قصّته الشهيرة " جزيرة الدكتور مورو "، و المثل الشعبي القائل " إن لم تكن ذئباً.. سدّه و استريح "..
أو " الباب الذي تجي لك منه الريح.. أكلتك الذئاب " لا أذكر المثل جيّداً، لذلك أنا أخطئ فيه دائماً، نعم لقد تذكّرت، المثل يقول " إن لم تكن ذئباً، أكلتك الذئاب ".. و الذي يصبّ في نفس القالب التحريضي للمثل السابق، الداعي إلى مجاراة المخطئين، و الإنخراط في صفوفهم لضمان السلامة الشخصية، و غيره الكثير من الأمثال التي لا تحضرني..
..
إن وجدت أي تشابهٍ بين فكرة القصّة و المثل، فسأضطر آسفاً إلى رفع قضيّةٍ ضدّ إنجلترا في المحافل الدولية، و بإذن الله سنكسب القضية، و سنحصل على ليڤربول كتعويضٍ..
لذا على كلّ يمني أن يجهّز فراشه للإنتقال إلى ليڤربول، و إن شاء الله سنفسدها، و سيتسرّب الفساد من ثقوب الحدود ليطمر كلّ أوروبا، و نصير جميعاً في الهوا سوا، كما يقول مثلّ آخر من أمثالنا الغريبة..
..
م/ بلال محمود..
..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شيء من دفاتري // بقلم الأستاذ : توفيق العلي

حديث النسيم // بقلم الأستاذة : امتثال محمد

اللهم نصرك لقلبي// بقلم الأستاذ عبد الناصر الحداد